مسلمو تنزانيا ومواجهة الخيارات الصعبة

اذهب الى الأسفل

مسلمو تنزانيا ومواجهة الخيارات الصعبة

مُساهمة من طرف TAMER في الأحد يونيو 13, 2010 6:56 pm

تنزانيا" اسم غال على كل مسلم؛ فهذه الدولة شهدت ميلاد مملكة إسلامية كبيرة تأسست في "زنجبار"، بعد قيام العثمانيين بطرد البرتغاليين من سواحل المحيط الهندي، وتأسيس دولة فتية تحولت فيما بعد مقرًّا لهجرات عربية واسعة، جلها قادم من الجزيرة العربية واليمن، فضلًا عن وصول الآلاف من الهنود اشتغلوا بالتجارة، وشهدت البلاد رواجًا اقتصاديًّا استمر لعقود طويلة، حتى ابتُليت البلاد بالاحتلال البريطاني الذي مزق مملكة "زنجبار"، ومهد السبيل لإنشاء جمهورية "تنزانيا" عبر تحالف بين "زنجبار" و"تنجانيقا". وعمل الاحتلال البريطاني بقوة وإصرار على تقطيع أوصال "زنجبار"، وتهميش الوجود العربي والإسلامي بها لصالح عملائه من الأقلية النصرانية، التي أصرت على توطيد نفوذها والاستفادة من الوجود البريطاني؛ لتهميش الوجود العربي والإسلامي، بل والعمل بكل ما أوتيت من قوة لاقتلاع جذور الإسلام من هذا البلد، رغم أن البلاد عرفت الإسلام قبل المسيحية بعدة قرون، حيث لم يعرف التنزانيون المسيحية إلا قبل 150 عامًا، حسب مصادر تاريخية متطابقة. ويواجه مسلمو "تنزانيا" جورًا وتهميشًا غير مسبوق، يكشف حجم مأساتهم، وللتدليل على ذلك؛ فلنا أن نذكر أن جميع الرؤساء الذين حكموا البلاد ينحدرون من الأقلية المسيحية، بدءًا من "جوليوسي نيريري"، ومرورًا "بوليم مكابا"، رغم أن المسلمين يشكلون أكثر من 65% من سكان البلاد البالغ تعدادهم 30 مليون نسمة. وتواصلت هذه المعاناة منذ حصول البلاد على استقلالها في ستينات القرن الماضي، حيث تم حرمان المسلمين من تبوأ أي مناصب سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، بل وركز الرئيس "نيريري" رغم علاقاته الوثيقة بالدول العربية والإسلامية على حرمان مناطق المسلمين من الخطط التنموية، بشكل ظلت معه هذه المناطق ـ "مباوبانجا" و"ليندي" ـ أسيرة الفقر والتخلف والأمية لمدة عقود. إلا أن الأوضاع تحسنت بشكل نسبي مع وصول الرئيس المُنتخب "جاكايا كيكويتي" للسلطة، وهو أول رئيس مسلم يحكم البلاد منذ حصولها على الاستقلال، حيث أقر العديد من الخطط التنموية، وإنشاء العديد من المدارس والمستشفيات، وأمن حصول شخصيات مسلمة على مناصب ظلت لعقود حكرًا على الأقلية النصرانية، وفي مقدمتهم وزير الدفاع التنزاني وعديد من المناصب السيادية في الحكومة، وأنهى عقودًا من التهميش السياسي والاقتصادي التي عانت منها الأغلبية المسلمة. حملات مضادة وشكَّل وصول الرئيس "كيكويتي" إلى سدة السلطة مرحلة مهمة وتاريخية في حياة مسلمي تنزانيا، حيث تبنى برنامجًا طموحًا لاستعادة الصلات بين تنزانيا والعالم الإسلامي، عبر الإعلان عن تقدمه بطلب انضمام بلاده إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، وإنشاء محاكم شرعية للأغلبية المسلمة، وهو الأمر الذي فجر شلالًا من المعارضة من قبل من جانب الأقلية النصرانية، والتي أعلنت رفضها الصريح لهذه المساعي؛ متذرعة بالطابع العلماني لدستور البلاد، وهو ما رفضه "كيكويتي" بشكل حاسم، مشيرًا إلى أن "أوغندا" تحولت لعضو في المنظمة رغم الطابع العلماني لدستورها. وعدَّد الرئيس الميزات الكثيرة التي ستحققها بلاده من هذه الخطوة، غير أن الأقلية النصرانية استمرت على موقفها الرافض، ووسعت من معارضتها عبر تدشين حملة مضادة بقيادة الكنيسة الإنجيلية واسعة النفوذ، التي عملت على تأليب الرأي العام ضد حكومة الرئيس؛ لتمسكه بالانضمام لمنظمة المؤتمر الإسلامي، متذرعة بمخاوف من تحول البلاد إلى مأوى لتنظيمات "متطرفة"، قد تضر بشدة بالوحدة الوطنية في البلاد، على حد زعم عديد من البيانات الصادرة عن الكنيسة، حيث شدد البيان الأخير للكنيسة على انعدام فرص انضمام "تنزانيا" لمنظمة المؤتمر الإسلامي، أو إنشاء محاكم شرعية للمسلمين.من جانبها، حاولت التنظميات الإسلامية تبني موقف داعم لخطوات الرئيس؛ حيث حذرت ست منظمات إسلامية في "تنزانيا" الحكومةَ من الخضوع لضغوط الأقلية النصرانية ورجال الكنيسة الإنجيلية، للتخلي عن قرارها بانضمام البلاد لمنظمة المؤتمر الإسلامي. استفتاء عام وقالت المنظمات الست، التابعة للمجلس الأعلى للمنظمات والجمعيات الإسلامية، أن تراجع الحكومة عن هذا القرار يثير انقسامات وحساسيات كبيرة بين المسلمين وبقية أبناء المجتمع. غير أن هذا الموقف لم تكن له أية تأثيرات على موقف الأقلية النصرانية، بل على العكس؛ كثفت ضغوطها على النظام الحاكم مطالبة بإقالة وزير الشئون الخارجية "برنار ميمبي"، على خلفية جهوده الساعية لانضمام "تنزانيا" لمنظمة المؤتمر الإسلامي. قد هددت هذه القضية بإشعال أزمة تهدد الوحدة الوطنية للبلاد؛ بشكل دعا الدولة لطرح حل وسط، تمثل في إعلان حكومة الرئيس "جاكايا كيكويتي" عزمها الدعوة لاستفتاء شعبي لحسم مسألتي انضمام البلاد لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وكذلك الجهود لإنشاء محاكم شرعية، بشكل يعتقد المراقبون بقدرته على احتواء أية معارضة من قِبَل الأقلية النصرانية. يعتقد الكثيرون بأن مسألة انضمام "تنزانيا" لمنظمة المؤتمر الإسلامي أصبحت مسألة وقت لا أكثر؛ في ظل إصرار أعمدة النظام الحالي على هذه الخطوة، التي ستحقق فوائد لاقتصاد البلاد عبر انسياب الدعم من الدول الإسلامية، ومن المؤسسات الاقتصادية التابعة للمنظمة، على رأسها البنك الإسلامي للتنمية. مخطط مشبوه وإذا كانت قضية الانضمام لمنظمة المؤتمر الإسلامي وإنشاء محاكم شرعية قد أشعلت أزمات عديدة للأغلبية المسلمة، فإنها تمثل فقط حلقة في مسلسل المشاكل والتحديات التي تواجه مسلمي "تنزانيا"، فالمسلمون في "تنزانيا" يواجهون حزمة من المشاكل، أهمها مسعى الأقلية النصرانية التي سيطرت على الأوضاع في البلاد لمدة نصف قرن تقريبًا لمسخ الهوية الإسلامية للأغلبية "التنزانية"، عبر حملات التذويب الثقافي والديني، وإبقاء هذه الأغلبية أسيرة الفقر والأمية. بل وأن هذه الأقلية قد استغلت تفجير السفارة الأمريكية في العاصمة "دار السلام" للزعم بتحول البلاد إلى مأوى لما وصفته بالجماعات المتطرفة؛ لانتزاع موافقة البرلمان على تبني قانون مكافحة "الإرهاب"، والذي كان يسعى الرئيس السابق "مكابا" من ورائه تصعيد الضغوط على المنظمات الإغاثية الإسلامية المتواجدة في الأراضي "التنزانية"، وفي مقدمتها "الحرمين"، و"الندوة العالمية للشباب الإسلامي"، ولجنة "مسلمي أفريقيا"، و"جمعية الدعوة الإسلامية العالمية"، و"مقر طرابلس الغرب وجميعة إحياء التراث الكويتية"؛ وهو ما حد كثيرًا من أنشطة هذه المنظمات التي عملت بقوة ولفترات طويلة على إنشاء مدارس إسلامية، تمزج بين التعليم الإسلامي والحديث، وحققت نجاحات نسبية، لاسيما في اتجاه مكافحة وباء الأمية المهدد لأكثر من 75% من الأغلبية المسلمة في البلاد، فضلًا عن الدعم العيني والمالي المقدم لفقراء "تنزانيا" بشكل قلَّص كثيرًا من الدور المشبوه الذي تقوم به المنظمات التنصيرية المنتشرة في طول البلاد وعرضها، والمستغلة لانتشار الفقر والجهل والأمية؛ لتنفيذ مخططها المشبوه، وفي مقدمة هذه المنظمات منظمة "شهود ياهو"، و"مجلس الكنائس العالمي"، و"منظمة الميثوديست"، و"الأخوة الكومبنيون"، و"الكنيسة المعمدانية الأمريكية"، و"منظمة أطباء بلا حدود"، و"جماعة نصرة المسيح"، فضلًا عن الدور المشبوه الذي تمارسه منظمتا "كارايتاس" و"واكسفام" المتخصصتين في مجال تنصير الأطفال. وتستغل هذه المنظمات معاناة المسلمين في مناطق الشمال التنزاني؛ مثل: "كالمنجارو" و"جامبي"؛ لإغراء المسلمين بالارتداد عن الإسلام، وهي الجهود التي لم تحقق نجاحات، بسبب الدور الكبير الذي قامت به المنظمات الإسلامية في "تنزانيا"، والتي بذلت جهودًا مضنية للتصدي لهذه المخاطر. إخفاق تام غير أن الرد على مساعي المنظمات الإسلامية قد جاء صاعقًا من قِبَل الأقلية النصرانية، والتي كثفت جهودها لانتزاع قرار من البرلمان برفع سن الزواج إلى 18 عامًا، غير أن هذه الجهود على شراستها لم تنجح، حيث تصدت لها الأغلبية المسلمة بقوة أجبرت مقترحي هذا القانون على التراجع، وأوقفت جهودها ولو مؤقتًا؛ لنشر الانحلال والرذيلة في أوساط المسلمين. ولكن التطور اللافت فيما تشهده "تنزانيا" تمثل في إخفاق الحرب الضروس، التي شُنت لعقود ضد المسلمين في إبعاد هذا الشعب عن الإسلام، وعن الاهتمام بقضايا العالم الإسلامي، فأي شخص يمر في شوارع المدن "التنزانية"، وفي مقدمتها العاصمة "دار السلام" وغيرها من المدن؛ يجد إقبالًا واسعًا على ارتداء الحجاب بين السيدات والفتيات، فضلًا عن الإقبال الشاسع على المدارس الدينية الإسلامية على قلتها وعلى كتاتيب حفظ القرآن. وظهر الأمر جليًّا وواضحًا في التضامن غير المسبوق من قِبَل الأغلبية المسلمة في "تنزانيا" مع القضايا الإسلامية، حيث أبدت اعتراضات شديدة على الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق، وعلى زيارة الرئيس الأمريكي السابق "جورج بوش" للبلاد، واصفةً إياه "بلص النفط"، وخرجت مظاهرات كبيرة في العاصمة "دار السلام" ومدن أخرى منددة بالرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، ومطالبةً بقطع العلاقات الدبلوماسية مع "الدانمارك" والعديد من الدول التي أعادت نشر الرسوم، وهو السيناريو الذي تكرر إبَّان الانتقادات التي وجهها "البابا بنديكت الثاني" للرسول صلى الله عليه وسلم والدين الإسلامي. قضية محسومة وحول التطورات الخاصة بأوضاع مسلمي "تنزانيا" أوضح الشيخ سالم عبدالرحيم بارهيان ـ الرئيس العام لمراكز شباب الأنصار "بتنزانيا" ـ أن مسألة انضمام "تنزانيا" لمنظمة المؤتمر الإسلامي مسألة وقت لا أكثر، في ظل إصرار الرئيس "كيكويتي" على هذه الخطوة، وتأييد الأغلبية الكاسحة من الشعب لهذه الخطوة؛ لما لها من آثار إيجابية على صلات "تنزانيا" بالدول الأعضاء بالمنظمة، فضلًا عن المنظمات التنموية التي تستطيع تقديم معونات وبرامج لتحسين الأوضاع الاقتصادية. وأشار الشيخ بارهيان إلى أن انتخاب الرئيس "كويتا" كانت له آثار إيجابية؛ أزالت عقودًا من الظلم والتهميش التي تعرضت له الأغلبية المسلمة منذ استقلال البلاد عن بريطانيا، مشددًا على أن الأقلية النصرانية استغلت سيطرتها على البلاد لتذويب هوية مسلمي البلاد. وأبدى الرئيس العام لمراكز شباب الأنصار استياءه البالغ للتجاهل العربي والإسلامي لمأساة مسلمي بلاده، لافتًا إلى أن هذا الغياب قد أعطى الفرصة لمنظمات التنصير لتعيث فسادًا في البلاد، لاسيما بعد مغادرة أغلب المنظمات الخيرية الإسلامية للبلاد باستثناء "الندوة العالمية للشباب الإسلامي"، التي تواصل مشاريعها الإغاثية. ويرى بارهيان أن الغزو التنصيري للبلاد لم يحقق أهدافه، رغم امتلاكه إمكانيات مالية رهيبة، مدللًا على ذلك بإقبال الفتيات والسيدات على ارتداء الحجاب، وارتفاع معدلات حفظة القرآن الكريم بين الأطفال والشباب، مشددًا على أن خطوة إنشاء محاكم شرعية إسلامية ستكون لها آثارها الإيجابية على إعادة هذا الشعب لدينه الحنيف.

سجل تعليقك
* الاسم
avatar
TAMER
Admin

عدد الرسائل : 902
الاوسمه :
تاريخ التسجيل : 23/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://forsan.hooxs.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى